من صفاقس إلى لامبيدوزا… رحلات “الموت” تدمي قلوب العائلات التونسية

من صفاقس إلى لامبيدوزا... رحلات "الموت" تدمي قلوب العائلات التونسية

من مدينة صفاقس التونسية الساحلية، ترحل القوارب والزوارق المحملة بالمهاجرين غير الشرعيين إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية تاركة وراءها آلام الفراق وغصة البكاء لدى العائلات التي تخشى فقدان أبنائها. صراع دائم بين البحر والبر الذي أضحت فيه الحياة صعبة ومريرة. فأمام غياب الآفاق، يفضل شبان تونس المغامرة بحثا عن حياة أرحم في الضفة الأخرى من المتوسط. فرانس24 التقت بهؤلاء المغامرين… ريبورتاج.

“بدأت أفكر في الحرقة (كلمة تعني الهجرة غير الشرعية بالعامية التونسية) وعمري لم يتجاوز 16 عاما. كنت آنذاك أعمل في صالون للحلاقة بصفاقس وأشاهد بعض المهاجرين الشرعيين يعودون من إيطاليا وفرنسا بسيارات جديدة وفخمة. فتبلورت لدي الفكرة وبقيت أقول لنفسي وبصمت لماذا لا أعمل مثلهم”.

هكذا بدأت قصة علي العياشي (30 عاما) مع الهجرة غير الشرعية. قصة طويلة محفوفة بالمخاطر والمغامرات انطلقت في أبريل/نيسان 2011 في أوج أيام الثورة التونسية ولم تنته بعد…

فبينما كان الشباب التونسي يتظاهر في الشارع ويحتفل بسقوط نظام بن علي، كان علي العياشي يخطط كيف سيعبر إلى الضفة الأخرى من المتوسط. ولحسن حظه، كما يقول، كان الحل أسهل من جميع توقعاته.

“تلقيت اتصالا هاتفيا من مهرب قال لي: هل ترغب في الهجرة؟ أجبته نعم. وبعد يومين، جاءت سيارة إلى المنزل وأخذتني إلى نقطة “البونته” (هو مكان في شاطئ النخلة بصفاقس تصطف فيه قوارب المهربين) حيث تجمع كل “الحراقين” وعبرنا ليلا إلى جزيرة لامبيدوزا بإيطاليا”.

حلم الرحيل إلى أوروبا حاضر دائما في الذهن

واستحضر هذا الشاب الذي يبتسم دائما تفاصيل “الرحلة الأولى” كما يصفها برفقة 96 مهاجرا، 7 منهم بنات، تكدسوا على متن قارب متواضع خلال 16 ساعة، وهي المدة الزمنية التي قضاها في الإبحار قبل بلوغ الجزيرة الإيطالية التي تبعد عن صفاقس حوالي 180 كلم.

بعد ساعات من رحلة في البحر محفوفة بالمخاطر وصلوا إلى اليابسة، لكن الشرطة الإيطالية كانت في انتظارهم وألقت القبض على جميع “الحراقة” الذين كانوا على متن القارب ووضعتهم في مركز لإيواء المهاجرين غير الشرعيين.

لكن بعد مرور بضعة أيام، حصل علي على رخصة من قبل منظمة الصليب الأحمر التي كانت تدير هذا المركز تسمح له بالتجول في المدينة. فاغتنم الفرصة وهرب إلى مدينة بولونيا حيث بقي هناك ثلاث سنوات قبل أن يتم القبض عليه من جديد من قبل الشرطة التي أعادته في 2014 إلى نقطة الصفر، أي صفاقس.

ورغم هذه المحاولة الفاشلة، حلم الرحيل إلى أوروبا لم يغادر ذهن هذا الشاب الثلاثيني الذي كرر التجربة مرات عديدة.

“أنا ميت… فلماذا أخاف الموت؟”

“كنت أفكر في “الحرقة” إلى إيطاليا في اللحظة التي وضعتني الشرطة الإيطالية في طائرة العودة من بولونيا إلى تونس. لم أستسلم أبدا للأمر الواقع. كنت أبحث دائما كيف أعود إلى بولونيا. والدليل قمت بسبع محاولات، كلها باءت بالفشل”، يقول هذا الشاب الذي يعرف جيدا كواليس الهجرة غير الشرعية.

وعندما سألناه لماذا تسعى رغم مخاطر الموت والغرق لمغادرة صفاقس؟ أجاب: “بلدي لم يمنحني أي شيء. أنا في الحقيقة ميت هنا، فلماذا أخشى الموت؟ كنت أريد أن أفتح صالونا للحلاقة، لكن المصارف رفضت أن تقدم لي قرضا”. وتابع: “كل يوم أبحث عن عمل ولو بسيط سواء كان في مجال الترميم أو في السوق كحمال أو في مقهى، لكن لم أجده بعد. فلماذا تريد أن أبقى هنا؟ لا أستطيع أن أستأجر ولو شقة صغيرة لكي أعيش فيها أو أفتح محلا تجاريا لتأمين لقمة العيش. أفضل الموت عن البقاء في هذا البلد الذي لم يمنحني أبسط حق، وهو حق العيش في كرامة”.

“لست أنا الذي يبحث عن الحراقة”

وفي انتظار الانتقال إلى الضفة الأخرى من المتوسط، يقضي علي العياشي وقته بين المنزل والمقهى في انتظار فرصة جديدة لكي يهاجر للمرة الثامنة رغم ارتفاع ثمن “الرحلة” خلال السنوات الأخيرة (5000 دينار حوالي 1500 يورو قارب متواضع إلى 15000 دينار حوالي 4500 يورو على متن زورق سريع) يقوده مهرب يزعم أنه يعرف كيف يعبر بـ”الحراقة” إلى بر الأمان.

منير (اسم مستعار) يملك خبرة كبيرة في إيصال “الحراقة” إلى إيطاليا. ولد في البحر كما يقول ويعرف جميع أسراره ويستطيع حتى إيجاد الطريق بواسطة رصد النجوم. يمارس نشاط التهريب منذ عشر سنوات على الأقل، لكن ليس هو الذي ينظم عمليات تهريب “الحراقة”. دوره يكمن فقط في قيادة القوارب أو الزوارق من صفاقس إلى لامبيدوزا.

وشرح منير لفرانس24 “لست أنا الذي يبحث عن “الحراقة” لكي أهربهم إلى إيطاليا. بل هم الذين يأتون إلي ويطلبون مني أن أساعدهم على العبور. فيجمعون الأموال ويشترون القارب أو الزورق المناسب حسب إمكانياتهم المادية ويزودونه بالبنزين. بعض العائلات تساعد أولادها ماليا لكي يعبروا إلى أوروبا”.

تهريب “الحراقة” “حرفة” تدر أموالا كثيرة على صاحبها

وأضاف: “مهمتي أنا تكمن فقط في إيصالهم من صفاقس أو من قرقنة إلى جزيرة لامبيدوزا بأمان ودون أن يتم القبض علينا. كل ما أشترطه هو أن يكون القارب في وضع جيد لأنني لا أريد الموت في البحر أو يموت “الحراقة” الذين أنقلهم”.

ويتذكر منير جيدا المرة الأخيرة التي قام فيها بتهريب 94 مهاجرا غير شرعي إلى جزيرة لامبيدوزا، لكن قبل أن يضع قدميه على الأرض الإيطالية قبل حوالي 10 كلم، تعرض قاربه إلى رياح عاتية كانت تهب باتجاهه، فغير قليلا من مساره لكن اعترضته سفينة من فرقة الإنقاذ والنجدة التابعة للاتحاد الأوروبي وتم توقيفه مع جميع “الحراقة”.

ورغم المخاطر التي يمكن أن يتعرض إليها، كالموت غرقا أو أن يلقي خفر السواحل التونسية أو الإيطالية القبض عليه، إلا أن منير لا يستطيع أن يترك هذا العمل لأنه “مصدر رزقه ويساعده كثيرا في الاعتناء ماديا بعائلته” حسب رأيه.

وقال لفرانس24″ أعيش من هذا العمل. وكل رحلة لها سعرها. في بعض الأحيان أتقاضى 5000 دينار وفي بعض الأحيان أكثر 7000 أو 8000 دينار. أما الرحلة الأخيرة التي قمت بها، فجنيت مبلغا يقارب 15000 دينار، مبلغ كبير لم أكن أحلم به إطلاقا في حياتي ولا يمكن أن أحصل عليه حتى ولو اشتغلت طيلة حياتي عملا آخر هنا”.

بلال (20 عاما) مات غرقا قرب سواحل صفاقس

وفي سؤال هل تخشى على حياتك عندما تقوم بتهريب الناس على متن القوارب، أجاب قائلا “الموت قضاء وقدر. يمكنك أن تموت وأنت جالس في المنزل. أنا لا أخاف من الموت لأنني ابن البحر. أعرفه جيدا منذ أن كان عمري 10 سنوات. كان والدي يأخذني معه لصيد السمك”.

ويتفهم منير بعض الشبان التونسيين الذين يسعون لعبور البحر رغم المخاطر. وقال “الحياة هنا مرة. لا شغل ولا مستقبل ولا عيش كريم. كلهم يريدون الذهاب إلى أوروبا، بمن فيهم ابني الذي يبلغ من العمر 14 عاما. فهو يسألني دائما متى سنعبر يا والدي. وأجيبه في كل مرة، بالمستقبل القريب يا بني. يجب قبل كل شيء أن تنهي دراستك وتتألق ثم بعد ذلك سنرى..”.

بلال (20 عاما)، شاب آخر من صفاقس لم ينتظر الانتهاء من الدراسة لكي “يحرق” إلى إيطاليا ويموت غرقا قرب السواحل التونسية، ليس بعيدا عن جزيرة قرقنة. كان دائما يسأل أمه متى سيغادر تونس مثله مثل باقي أصدقائه الذين ذهبوا إلى إيطاليا.

والتقت فرانس24 بوالدته زهرة في منزل متواضع يقع في شارع ابن سينا بصفاقس. وقالت “فقدت ابني بلال في 2011. كان دائما يفكر في السفر إلى الخارج بسبب تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد إبان الثورة. لكن عدم امتلاكه المال الكافي لشراء مكان على متن قارب مثل باقي “الحراقة” كان العائق الوحيد الذي جعله لم يغادر”.

8000 شخص حاولوا “الحرقة” في 2020 حسب الأمم المتحدة

لكن شاء القدر أن يغرق مع والده الذي كان يعمل كمهرب للمهاجرين غير الشرعيين. فذهب باعتباره مرافقا له لكنه لم يعد أبدا حيا إلى صفاقس ومات غرقا في 27 مارس/آذار 2011 فيما توفى أيضا والده في نفس اليوم على رصيف البحر بسبب جلطة قلبية.

وتعتبر مدينة صفاقس الواقعة في الجنوب من بين المدن التونسية التي عرفت انتشارا كبيرا لظاهرة الهجرة غير الشرعية مثل جزيرة قرقنة القريبة جدا من إيطاليا. عائلات بأكملها تحاول العبور إلى أوروبا خاصة في فصل الصيف عندما يكون الطقس مناسبا لذلك وموج البحر هادئ. وتشير احصائيات الأمم المتحدة أن أكثر من 8000 تونسي حاولوا العبور، معظمهم من مدينة صفاقس الساحلية إلى أوروبا بشكل غير شرعي خلال الأشهر الثمانية من العام 2020. وأضافت الأمم المتحدة أن خفر السواحل التونسية أوقفت في نفس السنة 250 قاصرا حاولوا هم أيضا الالتحاق بإيطاليا.

حتى العائلات تفكر في “الحرقة”

“الكل يفكر في الرحيل سواء كان كبيرا أو صغيرا. الوضع لا يطاق في المدينة بسبب انعدام الشغل وغلاء المعيشة وغياب المستقبل. عائلات برمتها تريد الرحيل”، يضيف علي العياشي. عائلة مبروكة حويج حاولت أن تقطع البحر مرتين خلال صيف 2020، من “شدة الفقر ولكي تعالج ابنها الذي أصيب بشلل في قدميه بعد حادث مرور”.

وقالت لفرانس24: “الحكومة التونسية لا تريد أن تعالج ولدي. أنا فقيرة لا أملك المال الكافي للقيام بذلك. لهذا السبب قررت، بالاتفاق مع زوجي، أن نقطع البحر مع أولادنا الستة وابننا المشلول. لكن لسوء الحظ، أوقفنا خفر السواحل التونسية مرتين. لكن رغم ذلك ما زلت أفكر في “الحرقة” لكن هذه المرة مع ابني المشلول فقط لعلنا ننجح في الوصول إلى إيطاليا وأتمكن من معالجته”.

فرانس24

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *